الشيخ محمد رشيد رضا

101

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

من يخالفهم فيه وقد جهل الجبرية والقدرية النفاة جميعا حقيقة القدر وصار كل منهما يحمل الآيات على ما ذهب اليه كأنها مختلفة متعارضة وهي مخالفة لكل منهما ولا اختلاف ولا تعارض فيها فمعنى الآية على ما تقدم . ومثل ذلك الذي تقدم - أي في الآية التي قبلها - من استمتاع أولياء الانس والجن بعضهم ببعض في الدنيا لما بينهم من التناسب والمشاكلة ، ولي بعض الظالمين لأنفسهم وللناس بعضا بسبب ما كانوا يكسبونه باختيارهم من اعمال الظلم الجامعة بينهم ، أي يقع ذلك منهم بسنتنا وقدرنا ، الذي قام به النظام العام في خلقنا ، فليس خلقا مبتدأ كما تزعم القدرية ، ولا افعالا اضطرارية كما تزعم الجبرية ، ويؤيد هذا روايات في التفسير المأثور روي عن قتادة أنه قال في الآية : انما يولي اللّه بين الناس بأعمالهم فالمؤمن ولي المؤمن من أين كان وحينما كان ، والكافر ولي الكافر من اين كان وحيثما كان ، ليس الايمان بالتمني ولا بالتحلي ولعمري لو عملت بطاعة اللّه ولم تعرف أهل طاعة اللّه ما ضرك ذلك ، ولو عملت بمعصية اللّه وتوليت أهل طاعة اللّه ما نفعك ذلك شيئا اه يعني أن انتماء المرء إلى المؤمنين ودخوله في جامعتهم ونصرته لهم لا تجعله منهم حقيقة إلا إذا كان يعمل عملهم وينصرهم لمشاركته إياهم في ذلك لا لمجرد العصبية الجنسية أو المنفعة الدنيوية ، وأما العمل يهدى دينهم فإنه ينفعه بدون توليهم إذا كان عدم توليهم لعدم معرفته بهم ، وهو لا يكون إلا كذلك لأنه إذا عرفهم لا يسعه إلا أن يتولاهم إذا كان موافقا لهم في الجامعة الاعتقادية العملية التي تقتضي المشاركة بحسب قدر اللّه وشرعه قال تعالى ( 8 : 73 إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ . . . - الآية - ( 74 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إن لا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ ) أي إن لا تفعلوا أيها المؤمنون هذا التولي بالتعاون ولتناصر بينكم تكن فتنة في الأرض وفساد كبير . رواه ابن جرير عن ابن جريج ورجحه لان اللفظ يدل عليه دون القول الآخر بأنه خاص بولاية الإرث . وقد وقعت الفتنة والفساد الكبير بترك المسلمين هذه الولاية بينهم وتخاذلهم وتولي بعضهم لمن نهاهم اللّه عن ولايتهم ، وأولئك هم الظالمون . وقال تعالى ( 9 : 67 الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ) الخ ثم قال بعد اربع آيات ( 12 وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ